مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
35
تفسير مقتنيات الدرر
والأصل الثالث إثبات أنّه قادر على الحشر والبعث وأنّه لا بدّ من وقوعه لأنّ بتقدير أن لا يثبت ذلك كان الاشتغال بالطاعة والاحتراز عن المعصية عبثا ولغوا وإلى هذا الأصل إشارة بقوله : * ( [ يُحيِي وَيُمِيتُ ] ) * لأنّه لمّا أحيا أوّلا ثبت كونه قادرا على الإحياء ثانيا ، ولمّا كان الإحياء الأوّل لغرض إيصال الخير إلى المخلوق وهو إنعام عظيم ويجب على المخلوق شكر النعمة فيطالبه بشكر النعمة ووظائف العبوديّة لحصول ذلك الغرض وقابليّة العبوديّة فحينئذ يحسن منه أن يرسل رسولا يبيّن لهم طريق أداء شكره وما يصلح به أمورهم لئلَّا يقع الهرج والمرج فعيّن الرسول بقوله : * ( [ فَآمِنُوا بِاللَّه ِ وَرَسُولِه ِ ] ) * وكلماته أي شواهد ربوبيّته وصدق رسالة رسوله من المعجزات والكمالات الَّتي ظهرت على يده . فمن كمالاته ومعجزاته أنّه صلى اللَّه عليه وآله لم يتعلَّم من أستاذ ولم يشتغل بمطالعة كتاب ولم يتّفق له مدارسة العلماء : لأنّ مكّة أهلها يومئذ امّيّين وما غاب صلى اللَّه عليه وآله عن مكّة غيبة طويلة يمكن أن يتحصّل فيها علما جزئيّا فضلا عن علوم كثيرة ، ففتح اللَّه عليه باب العلم بالقرآن المشتمل على علوم الأوّلين والآخرين فكان ظهور هذا الأمر من أعظم المعجزات لذاته الشريفة صلى اللَّه عليه وآله . وأنّه يرى من خلفه كما يرى من قدّامه وتنام عينه ولا ينام قلبه وهذه من خواصّ ذاته الشريفة ، ونوع آخر مثل انشقاق القمر ونبوع الماء من بين أصابعه . ومثل هذه الأمور تسمّى بكلمات اللَّه ألا ترى أنّ عيسى عليه السّلام لمّا كان حدوثه أمرا غريبا مخالفا للمعتاد سمّاه اللَّه كلمة ؟ وهو المراد في الآية * ( [ يُؤْمِنُ بِاللَّه ِ وَكَلِماتِه ِ ] ) * كما قالوا : نحن كلمات اللَّه العليا . ثمّ بيّن سبحانه طريق التكليف فقال : * ( [ اتَّبِعُوه ُ ] ) * ومعنى المتابعة الإتيان بمثل ما ما أتى المتبوع به سواء كان في طريق الفعل أو في طريق الترك ، وظاهر الأمر للوجوب فثبت وجوب متابعته في كلّ أمر ونهي إلَّا ما خصّه الدليل مثل أمور خاصّة فمتابعته أصل من أصول الإيمان وقانون كلَّي في معرفة التكليف والأحكام وبقوله : « وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى » « 1 » . * ( وَاتَّبِعُوه ُ [ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ] ) * فاتّباعه متلازم بصريح الآية .
--> ( 1 ) النجم : 3 و 4 .